ملا محمد مهدي النراقي

41

جامع السعادات

الأولياء من تلوين الخطرات ، وتوبة الأصفياء من التنفيس ، وتوبة الخاص من الاشتغال بغير الله ، وتوبة العام من الذنوب ، ولكل واحد منهم معرفة وعلم في أصل توبته ومنتهى أمره ، وذلك يطول شرحه هنا . وأما توبة العام فإن يغسل باطنه من الذنوب بماء الحسرة ، والاعتراف بجنايته دائما ، واعتقاد الندم على ما مضى ، والخوف على ما بقي من عمره ولا يستصغر ذنوبه فيحمله ذلك إلى الكسل ، ويديم البكاء والأسف على ما فاته من طاعة الله ، ويحبس نفسه عن الشهوات ، ويستغيث إلى الله تعالى ليحفظه على وفاء توبته ويعصمه عن العود إلى ما سلف ، ويروض نفسه في ميدان الجهاد والعبادة ، ويقضي عن الفوائت من الفرائض ، ويرد المظالم ، ويعتزل قرناء السوء ، ويسهر ليله ويظمأ نهاره ، ويتفكر دائما في عاقبته ، ويستعين بالله سائلا منه الاستقامة في سرائه وضرائه ، ويثبت عند المحن والبلاء كي لا يسقط عن درجة التوابين ، فإن في ذلك طهارة من ذنوبه ، وزيادة في عمله ، ورفعة في درجاته . قال الله - عز وجل - : ( فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) ( 39 - 40 ) . تتمة هل يشترط في التوبة القدرة على الذنب السابق ؟ التوبة إنما تكون عن ذنب سبق مثله ، ( أما ) ( ) 41 ) ترك ذنب لم يسبق مثله حالا والعزم على تركه استقبالا لا يسمى توبة ، بل يسمى تقوى ، ويسمى صاحبه متقيا لا تائبا ، ولذا يصح القول بأن النبي ( ص ) كان متقيا عن الكفر ، ولا يصح القول بأنه كان تائبا عنه . ثم المراد بالمثل السابق أعم من أن يكون مثلا في الصورة أو المنزلة ، فالشيخ الهرم الذي سبق منه الزنا وقطع الطريق ، ولم يقدر الساعة على فعلهما إذا أراد التوبة عنهما ، ينبغي أن يتوب عما يماثلهما منزلة ودرجة ، كالقذف والسرقة وأمثالهما ، إذ لا معنى للتوبة عما يماثلهما صورة - أعني نفس الزنا وقطع الطريق

--> ( 39 ) العنكبوت الآية : 3 ( 40 ) صححنا هذه الرواية على ( مصباح الشريعة : الباب 80 ) . ( 41 ) وفي النسخ ( أو ) بدل ( أما ) ، والصحيح ما ثبتناه .